رأي: صناعة المظلومية الزائفة.. عندما يتحول التنظيم العمراني إلى مادة للتحريض الطائفي
حلمي عبد الرحمن
6 ساعات مضت
سوريا
53 زيارة
وكالة الفرات للأنباء – حلمي عبد الرحمن
أثارت عمليات إزالة الأبنية المخالفة في منطقة المزرعة بمدينة حمص جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، لكن اللافت لم يكن القرار الإداري بحد ذاته، بل السرعة التي جرى فيها تحويله إلى رواية طائفية متكاملة، قبل مناقشة الوقائع أو تفاصيل القرار.
بحسب مجلس مدينة حمص، فإن المنطقة المستهدفة تضم أبنية مخالفة مقامة على أراضٍ مستملكة للدولة، وأن عمليات الإزالة تأتي ضمن خطة تنظيمية لإزالة التعديات وتنفيذ المخطط العمراني، استناداً إلى أحكام القانون الناظم لمخالفات البناء، مع التأكيد على أن الإنذارات بالإخلاء وُجهت منذ مدة.
في المقابل، ركزت صفحات وشخصيات محسوبة على فلول النظام البائد وجهات أخرى على هوية غالبية سكان المنطقة المذهبية، وقدمت الحدث على أنه استهداف لطائفة بعينها، متجاهلة أن جوهر القرار يتعلق بمخالفات بناء وتنظيم عمراني، وليس بالانتماء الديني للسكان.
وهنا تبدأ صناعة المظلومية الزائفة. إذ يُنتزع الحدث من سياقه القانوني أو الإداري، ثم يُعاد تقديمه داخل إطار طائفي يهدف إلى إثارة المشاعر، وحشد الأنصار، وإحياء الانقسامات المجتمعية. فلا يعود السؤال: هل القرار قانوني؟ وهل طُبق بصورة عادلة؟ بل يصبح: من هي الطائفة المستهدفة؟
وهذا النوع من الخطاب يتجاهل حقيقة يعرفها السوريون جميعاً، وهي أن حملات إزالة المخالفات لم تقتصر على منطقة المزرعة، بل شهدت وتشهد مناطق مختلفة في سوريا عمليات هدم وإزالة لأبنية مخالفة وعشوائيات ضمن قرارات المجالس المحلية والبلديات، بغض النظر عن التركيبة الاجتماعية أو الدينية لسكانها. وبالتالي، فإن وجود سكان من طائفة معينة في منطقة يجري تنظيمها لا يكفي وحده لإثبات وجود استهداف طائفي.
هذا لا يعني أن أي قرار إداري يصبح فوق النقد، أو أن طريقة التنفيذ لا تستحق المراجعة. فإذا وقعت تجاوزات، أو استخدام مفرط للقوة، أو انتهاكات بحق المدنيين، فإن ذلك يستوجب التحقيق والمحاسبة وفق القانون، لأن احترام القانون لا يكتمل إلا باحترام حقوق المواطنين أثناء تطبيقه. لكن وجود ادعاءات بحدوث تجاوزات شيء، وتحويل الحدث مباشرة إلى رواية اضطهاد طائفي شيء آخر تماماً.
إن أخطر ما في صناعة المظلومية الزائفة أنها لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن سردية جاهزة. فهي تنتقي من الوقائع ما يخدم خطابها، وتتجاهل كل ما يناقضه، لأن الهدف ليس الوصول إلى فهم دقيق، وإنما إعادة إنتاج الانقسام السوري واستثماره سياسياً وإعلامياً.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً نتيجة الخطابات التي قسمت المجتمع إلى طوائف متصارعة، ولم يكن المستفيد منها سوى القوى التي تعيش على الانقسام والكراهية. واليوم، يحتاج السوريون إلى نقاش قانوني وشفاف حول قرارات التنظيم العمراني، وآليات التعويض، وضمان حقوق المتضررين، لا إلى حملات تعبئة تقوم على الهوية المذهبية.
إن الدفاع عن حقوق المواطنين يجب أن يكون دفاعاً عن الجميع، لا عن أبناء طائفة دون أخرى. كما أن رفض التمييز الطائفي لا يكون بافتراض وجوده في كل حادثة، بل بإثباته بالأدلة عندما يقع، ومحاسبة المسؤولين عنه. أما تحويل كل قرار إداري إلى معركة مذهبية، فهو وصفة مضمونة لإدامة الانقسام، وصناعة مظلوميات لا تخدم إلا من يريد إبقاء السوريين أسرى للاستقطاب والكراهية.