رأي: بين التطبيل والتخوين.. حين يتحول الاختلاف السوري إلى تهمة
حلمي عبد الرحمن
3 ساعات مضت
سوريا
315 زيارة
وكالة الفرات للأنباء – حلمي عبد الرحمن
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي السورية مجرد مساحة لتبادل الأخبار والآراء، بل تحولت، في كثير من الأحيان، إلى ساحة تعكس حالة الاستقطاب التي يعيشها المجتمع، حيث بات الموقف من حدث أو قرار أو أداء حكومي كفيلاً بوضع صاحبه في خانة سياسية أو فكرية محددة، بصرف النظر عن دوافعه أو مضمون ما يطرحه.
في هذا المشهد، تتكرر مفردتان بصورة لافتة: «التطبيل» و«التخوين».
الأولى تُستخدم ضد من يسلّط الضوء على إنجاز حكومي أو خطوة إيجابية، والثانية في مواجهة من ينتقد أداءً خدمياً أو يطالب بمحاسبة مسؤول أو معالجة خلل. وبين الاتهامين، تتراجع مساحة كان يفترض أن تكون هي الأوسع: مساحة التقييم الموضوعي.
فالإشادة بعمل ناجح لا تعني بالضرورة تأييد كل ما تقوم به الحكومة، كما أن انتقاد خلل في الكهرباء، أو المياه أو الصحة أو الخدمات لا يعني الوقوف في الجهة المقابلة للدولة. لكن الخطاب المستقطب لا يتعامل مع الموقف بهذه الطريقة؛ إذ يميل إلى اختزال الإنسان في موقف واحد، ثم يبني على ذلك الموقف حكماً كاملاً على نواياه وانتمائه.
حين يصبح الموقف الواحد معياراً لكل المواقف
تكمن إحدى مشكلات هذا الخطاب في أنه يفترض أن على الفرد أن يكون «مع» كل شيء أو «ضد» كل شيء. فإذا نشر خبراً إيجابياً عن مؤسسة حكومية، أصبح في نظر البعض مدافعاً عنها بالضرورة، وإذا انتقد قراراً أو تقصيراً، انتقل في نظر فريق آخر إلى خانة الخصومة.
وهكذا لا يعود السؤال: هل ما قيل صحيح؟
بل يصبح: من قاله؟ وإلى أي جهة ينتمي؟
وهذا التحول يبدّل طبيعة النقاش نفسها؛ فالخبر يُناقش بناءً على هوية ناشره، والنقد يُقاس بنوايا صاحبه المفترضة، فيما تتراجع الوقائع إلى مرتبة ثانوية.
وهي مشكلة لا تقتصر على سوريا، لكنها تصبح أكثر حساسية في مجتمع خرج من سنوات طويلة من الصراع والانقسام، وما تزال فيه قضايا الهوية والانتماء والثقة بالمؤسسات شديدة الحساسية. وقد حذرت جهات سورية معنية بالإعلام وحرية التعبير خلال السنوات الماضية من أن خطاب الكراهية والتحريض، ولا سيما عبر الفضاء الرقمي، يمكن أن يعمق الانقسامات الاجتماعية ويهدد السلم الأهلي.
من حق الحكومة أن تُشاد.. ومن حقها أن تُنتقد
في الدولة التي يُراد لها أن تبنى على المؤسسات، لا ينبغي أن تكون الإشادة امتيازاً ممنوعاً، ولا النقد فعلاً عدائياً.
الحكومة، مثل أي مؤسسة عامة، تُقاس نتائجها بما تقدمه للناس. فإذا نجحت في تنفيذ مشروع، أو حسّنت خدمة، أو عالجت مشكلة، فإن الإشارة إلى ذلك ليست «تطبيلًا» ما دام التناول قائماً على معلومات حقيقية ولا يتحول إلى تبرير للأخطاء.
وبالمقابل، فإن كشف الخلل والتنبيه إلى التقصير والمطالبة بالمعالجة ليست «خيانة». بل إن النقد المهني قد يكون واحداً من أكثر أشكال المساهمة في تحسين الأداء، لأنه يضع المشكلات أمام أصحاب القرار قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.
والفارق هنا مهم بين النقد والتحريض، كما أن هناك فرقاً بين الإشادة المهنية والدعاية. الخلط بين هذه المفاهيم يضر بالطرفين: فهو يحرم المجتمع من النقد المسؤول، ويحرم المؤسسات في الوقت نفسه من الاعتراف بالإنجاز حين يتحقق.
وهذا التفريق حاضر أيضاً في النقاش الإعلامي السوري الراهن؛ إذ جرى التأكيد رسمياً ومهنياً على ضرورة رسم حدود واضحة بين حرية التعبير والفوضى، وبين النقد المشروع وخطاب الكراهية والتحريض.
المشكلة حين يتحول النقد إلى خصومة
في المقابل، لا يمكن اعتبار كل ما يُقدَّم تحت عنوان «النقد» نقداً مهنياً، فهناك فارق بين أن تقول: «هذه الخدمة تعاني من خلل ويجب إصلاحه»، وبين أن تحول الخلل إلى حكم شامل على الدولة ومؤسساتها والعاملين فيها. وهناك فارق بين مساءلة مسؤول عن تقصير محدد، وبين تحميل مجموعة كاملة مسؤولية فعل فرد أو حادثة.
وكذلك الحال في الجهة المقابلة؛ فهناك فارق بين نقل إنجاز حقيقي، وبين تجاهل الأخطاء أو تبريرها أو مهاجمة كل من يطرح سؤالاً مشروعاً.
لذلك، فإن المشكلة ليست في أن يكون للناس مواقف مختلفة، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى اصطفاف دائم، والاصطفاف إلى خصومة، والخصومة إلى اتهام.
مواقع التواصل.. حين يكافأ الأكثر حدة
تزيد طبيعة منصات التواصل الاجتماعي من حدة هذه الظاهرة. فالمحتوى الأكثر إثارة للجدل والغضب غالباً ما يحظى بتفاعل أكبر، وهو ما يجعل النقاش الهادئ أقل قدرة على منافسة الخطاب الحاد.
وفي الحالة السورية، تتقاطع هذه البيئة مع انتشار الشائعات والمعلومات المضللة والحسابات الوهمية، وهي ظاهرة حذرت منها وزارة الإعلام السورية، معتبرة أن استخدامها يمكن أن يعزز الاستقطاب ويعمق الشرخ المجتمعي، وداعية إلى تبني خطاب عقلاني جامع.
وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة على الصحفي وصانع المحتوى والمواطن معاً: ليس المطلوب أن يتخلوا عن مواقفهم، وإنما أن يميزوا بين الموقف والواقعة، والرأي والمعلومة، والنقد والتحريض.
الصحفي ليس مطالباً بأن يكون في معسكر
ربما تكون هذه النقطة الأهم في المشهد كله، الصحفي لا يفترض أن يكون مع الحكومة في كل ما تفعل، ولا ضدها في كل ما تفعل. مهمته أن يذهب إلى الواقعة، ويتحقق منها، ويسأل، وينقل، ويضع أمام الجمهور ما يستطيع الوصول إليه من معلومات.
إذا نجحت جهة حكومية في ملف ما، فمن حق الصحفي أن ينقل نجاحها. وإذا أخفقت في ملف آخر، فمن واجبه أن يسلط الضوء على الإخفاق. وليس من المهنية أن يغيّر الصحفي موقفه من الحقيقة كي يرضي جمهوراً أو جهة أو تياراً.
والمعادلة نفسها تنطبق على المواطن؛ فمن الممكن أن يؤيد مشروعاً حكومياً ويعترض على مشروع آخر، وأن يثني على مسؤول في موقف وينتقده في موقف مختلف. هذه ليست ازدواجية، بل هي ببساطة استقلال في التقييم.
ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.. أين يقف المواطن السوري؟
المفارقة أن أغلب السوريين لا يعيشون في هذه الخنادق الافتراضية التي ترسمها منصات التواصل.
المواطن الذي يريد ماءً نظيفاً، وكهرباء مستقرة، ومستشفى يعمل، ومدرسة جيدة، وطريقاً آمناً، وفرصة عمل، لا يعنيه كثيراً أن يُصنَّف صاحب المنشور الذي يتحدث عن هذه القضايا «مطبلاً» أو «مخوّناً». هو يريد نتيجة.
وإذا رأى مشروعاً جيداً، فمن الطبيعي أن يفرح به. وإذا واجه مشكلة في الخدمة نفسها، فمن الطبيعي أن يطالب بإصلاحها.
وهنا تحديداً ينبغي أن يعود النقاش السوري إلى جوهره: هل ما حدث جيد أم سيئ؟ هل المعلومة صحيحة أم خاطئة؟ هل المشكلة موجودة أم لا؟ وما الذي يمكن فعله لمعالجتها؟
أما تحويل كل إجابة إلى بطاقة انتماء، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاستقطاب.
الحقيقة ليست دائماً في المنتصف.. لكنها تحتاج إلى مساحة
ليس المطلوب الوصول إلى «حل وسط» مصطنع بين المديح والنقد، فالحقيقة ليست دائماً في المنتصف. قد يكون القرار صحيحاً بالكامل، وقد يكون خاطئاً بالكامل، وقد يحمل الأمران معاً.
المطلوب هو أن تكون المعايير ثابتة، أن نمدح الإنجاز عندما يستحق المديح، وأن ننتقد الخطأ عندما يستحق النقد، وأن نطالب بالدليل في الحالتين، وأن نرفض الشائعة، حتى لو كانت تخدم موقفنا، وأن نقبل الحقيقة حتى لو لم تكن مريحة لنا.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى جمهور يصفق لكل شيء، كما أن المجتمع الصحي لا يحتاج إلى معارضة ترفض كل شيء.
ما تحتاجه سوريا، في هذه المرحلة، هو صحافة ومجتمع يستطيعان قول جملة بسيطة دون خوف من التصنيف: هذا جيد فنقول إنه جيد، وهذا خطأ فنقول إنه خطأ.
لا «تطبيل» في الأولى، ولا «تخوين» في الثانية، بل مواطن يرى، وصحفي يتحقق، ومسؤول يُسأل، ومؤسسة تُقيَّم على ما تقدمه للناس.