بعد 8 سنوات من الحرمان.. حكم قضائي تاريخي في مصر يثبت نسب طفلة وُلدت إثر اغتصاب ويفتح الباب أمام آلاف الحالات المماثلة
محمد عبد الواحد
10 ساعات مضت
منوعات
933 زيارة
وكالة الفرات للأنباء
في سابقة قضائية يُنظر إليها باعتبارها تحولاً مهماً في ملف حقوق الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب، أصدرت محكمة استئناف مصرية حكماً أثبت نسب طفلة إلى الرجل المدان باغتصاب والدتها، لتمنحها فرصة الحصول على شهادة ميلاد والالتحاق بالتعليم والخدمات العامة بصورة رسمية، بعد سنوات من الحرمان.
القاهرة – في الوقت الذي تستعد فيه مصر لبدء عام دراسي جديد، تنتظر “أمل عبد الحميد”، البالغة من العمر 27 عاماً، أن تتمكن ابنتها من دخول المدرسة بصورة رسمية للمرة الأولى، بعد نحو ثماني سنوات عاشت خلالها الطفلة من دون شهادة ميلاد، نتيجة ولادتها إثر واقعة اغتصاب.
وكانت الطفلة، رغم ذهابها إلى المدرسة، غير قادرة على خوض الامتحانات أو الاستفادة بصورة كاملة من الخدمات العامة، لعدم امتلاكها وثائق رسمية تثبت هويتها ونسبها.
لكن هذه المعاناة قد تنتهي بعد صدور حكم قضائي وصفه محامون وحقوقيون بأنه سابقة هي الأولى من نوعها في مصر، بعدما قضت محكمة الاستئناف بإثبات نسب الطفلة إلى الرجل الذي أدين باغتصاب والدتها، مستندة، من بين أمور أخرى، إلى تحليل الحمض النووي.
8 سنوات من البحث عن حق الطفلة
تعود القضية إلى عام 2018، عندما تعرضت أمل للاعتداء الجنسي من زميل لها في الدراسة، ما أدى إلى حملها وولادة طفلتها.
وبعد أربع سنوات، أُدين الرجل بارتكاب جريمة الاغتصاب، إلا أن معركة أمل لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ ظلت تواجه عقبات قانونية حالت دون إثبات نسب ابنتها واستخراج شهادة ميلاد لها.
وتنص أحكام قانون الأحوال الشخصية المصري على أن إثبات النسب يرتبط بإطار الزواج، الأمر الذي جعل الطفلة، بحسب رواية والدتها ومحاميها، عالقة في وضع قانوني حرمها من عدد من حقوقها الأساسية.
وقالت أمل في حديث لرويترز إن السنوات الثماني الماضية كانت أشبه بكابوس، مؤكدة أنها ظلت تبحث عن وسيلة لإثبات حق ابنتها، بعدما تعثرت محاولات قضائية متكررة.
اللجوء إلى الإعلام بعد تعثر المحاكم
ولم تكتفِ أمل بالمسار القضائي، بل قررت الخروج إلى الإعلام والتحدث علناَ عن قصتها، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل المجتمع المصري، حيث لا يزال الحديث العلني عن جرائم الاعتداء الجنسي من القضايا شديدة الحساسية.
وتعرضت أمل لانتقادات بسبب ظهورها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لكنها قالت إن إيصال قصتها إلى الرأي العام كان وسيلتها للفت الانتباه إلى معاناة ابنتها.
وبحسب أمل، فإن قضيتها ظلت لسنوات تتنقل بين المحاكم من دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، قبل أن تجد قضيتها طريقاً جديداً نحو الحل.
فتوى الأزهر مهّدت الطريق أمام الحكم
وجاء الحكم القضائي بعد فتوى صدرت في فبراير/شباط عن هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، أكدت إمكانية الاستناد في حالة ابنة أمل إلى اختبار الحمض النووي وحكم الإدانة بجريمة الاغتصاب لإثبات الأبوة.
واعتبر محامي أمل، السيد بدره، أن هذه الفتوى شكلت خطوة مهمة مهدت الطريق أمام المحكمة لإصدار حكمها، كما يمكن أن تمثل أساساً لإعادة النظر في بعض الأحكام المتعلقة بإثبات النسب ضمن قانون الأحوال الشخصية الذي يناقشه البرلمان المصري حالياً.
وقال بدره إن القضية باتت تمتلك فتوى وحكماً قضائياً، لكنها لا تزال بحاجة إلى نص قانوني صريح ومنظم يحدد آلية التعامل مع الحالات المشابهة مستقبلاً.
هل يصبح الحكم سابقة لآلاف الأطفال؟
لا تتوقف أهمية الحكم عند حالة أمل وابنتها، إذ يأمل ناشطون ومحامون في مجال حقوق المرأة والطفل أن يشكل القرار القضائي سابقة يمكن الاستناد إليها لمساعدة أطفال آخرين ولدوا في ظروف مماثلة.
وقالت “عزة سليمان”، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، إن الحكم يمثل “مكسباً وإنجازاً كبيراً” على أكثر من مستوى، معتبرة أن فتوى الأزهر والحكم القضائي قد يشجعان نساء أخريات تعرضن للاغتصاب على اللجوء إلى القضاء لإثبات نسب أطفالهن.
من جانبها، أكدت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية أن الدولة تولي أهمية خاصة لحماية حقوق الطفل وصون مصلحته، بما في ذلك حقه في إثبات هويته ونسبه، مشيرة إلى أن أي تعديلات على مشروع قانون الأحوال الشخصية ستتحدد وفقًا لما تسفر عنه مناقشات البرلمان.
وبينما تترقب أمل بدء العام الدراسي الجديد، لا تنظر إلى الحكم باعتباره انتصاراً قانونياً فحسب، بل كفرصة لابنتها كي تحصل أخيراً على الأوراق الرسمية التي حُرمت منها، وتدخل المدرسة وتخوض امتحاناتها وتعيش حياتها بصورة طبيعية، بعدما تحملت لسنوات تبعات جريمة لم ترتكبها.