الأحدث

سوريا والسعودية تعززان شراكتهما باتفاقيات تنموية واستثمارية تشمل الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والتحول الرقمي وإعادة الإعمار

وكالة الفرات للأنباء

تشهد العلاقات السورية السعودية مرحلة جديدة من التعاون، مع توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم خلال زيارة الرئيس “أحمد الشرع” إلى الرياض، تستهدف دعم القطاعات الخدمية والتنموية في سوريا، والمساهمة في إعادة تأهيل البنية التحتية وتعزيز جهود التعافي وإعادة الإعمار.

وتعكس الاتفاقيات انتقال العلاقات بين البلدين من الدعم السياسي والدبلوماسي إلى شراكات عملية تشمل قطاعات حيوية، في مقدمتها الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والدفاع المدني، إلى جانب الصناعة والزراعة والبيئة والتحول الرقمي، بما يفتح المجال أمام الاستفادة من الخبرات والإمكانات السعودية في دعم الاقتصاد السوري وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.

وتأتي هذه الخطوة امتداداً لمسار التقارب بين دمشق والرياض منذ الثامن من كانون الأول 2024، إذ كانت السعودية أول وجهة خارجية للرئيس الشرع بعد توليه مهامه، وشكلت زياراته واتصالاته مع المسؤولين السعوديين محطة مهمة في تعزيز العلاقات الثنائية ودعم التحركات الرامية إلى رفع العقوبات عن سوريا.

مشاريع خدمية تستهدف احتياجات المواطنين

وتشكل مشاريع الصندوق السعودي للتنمية محوراً أساسياً في الاتفاقيات الجديدة، باعتبارها أول تمويل تنموي سعودي يوجه مباشرة إلى الدولة السورية، ويشمل مجموعة من المشاريع المرتبطة بالاحتياجات الخدمية الأساسية.

ووفقاً لما أعلنته وزارة المالية السورية، تتضمن الحزمة إعادة تأهيل محطة حلب، وتوريد وتركيب 300 ألف عداد مياه ذكي في دمشق وإدلب، وإنشاء وإعادة تأهيل 25 مركزاً للدفاع المدني في عدد من المحافظات، إضافة إلى تأهيل مستشفيات ومراكز صحية متضررة، وإعادة تأهيل عشرة آلاف وحدة سكنية كمرحلة أولى.

وتستهدف هذه المشاريع تحسين واقع الخدمات الأساسية، من خلال دعم قطاع الكهرباء، وتطوير إدارة شبكات المياه ورفع كفاءة توزيعها، وتعزيز قدرات الدفاع المدني والمنشآت الصحية، فضلاً عن المساهمة في توفير ظروف سكنية أفضل للأسر المتضررة.

كما تشمل الاتفاقيات إعداد استراتيجية للتحول الرقمي وخارطة طريق لتنفيذها، وإنشاء مكتب متخصص لإدارة هذا المسار، بهدف تحديث المؤسسات العامة وتطوير آليات العمل ورفع كفاءة الخدمات الحكومية.

تعاون يمتد إلى الصناعة والزراعة والبيئة

ولا تقتصر الشراكة السورية السعودية على المشاريع الخدمية، بل تشمل وضع أطر للتعاون طويل الأمد في عدد من القطاعات الإنتاجية والتنموية.

وفي هذا الإطار، تتضمن الاتفاقيات تشكيل فرق عمل مشتركة للتعاون الصناعي لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، إلى جانب تنظيم اجتماعات دورية كل ستة أشهر في المجال الزراعي، وإرساء تعاون بيئي يمتد خمس سنوات قابلة للتجديد، بما يتيح تبادل الخبرات وتطوير المشاريع وفق الأولويات المشتركة.

كما تشمل الاتفاقيات مشاركة سوريا في معرض إكسبو 2030 الرياض، من خلال تخصيص مساحة عرض مجانية، إلى جانب الاستفادة من برامج الشركة المنظمة، بما يتيح التعريف بالفرص الاقتصادية والاستثمارية السورية أمام المشاركين من مختلف دول العالم.

من الدعم الدبلوماسي إلى الاستثمارات الكبرى

وتعود أبرز محطات التقارب السوري السعودي إلى شباط 2025، عندما زار الرئيس أحمد الشرع المملكة والتقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في زيارة أكدت التوجه نحو بناء علاقة استراتيجية تشمل المجالات السياسية والاقتصادية، والأمنية، والثقافية، والخدمية.

وفي نيسان من العام نفسه، أعلنت السعودية وقطر سداد متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، والبالغة نحو 15 مليون دولار، ما أتاح استئناف أنشطة البنك في سوريا بعد انقطاع تجاوز 14 عاماً، ومهد الطريق أمام استئناف برامج الدعم والتعاون التنموي.

وفي أيار 2025، برز الدور السعودي في التحركات الدولية الرامية إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، مع إعلان المملكة تنسيقها مع الولايات المتحدة بشأن هذا الملف، وتأكيد استعدادها لدعم تعافي الاقتصاد السوري.

وشهد تموز 2025 انعقاد المنتدى الاستثماري السوري السعودي في دمشق، الذي أسفر عن توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم تجاوزت قيمتها ستة مليارات دولار، وشملت قطاعات الطاقة والسياحة والصناعة والتجارة والعقارات والأمن السيبراني، بمشاركة أكثر من 20 جهة حكومية سعودية ونحو 100 شركة.

وفي آب من العام ذاته، تعزز التعاون بتوقيع اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمار، وافتتاح مكتب لوزارة الاستثمار السعودية في دمشق، إلى جانب اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الكهرباء والبترول والغاز، شملت تطوير محطات النقل والتوزيع وحفر الآبار وصيانة الحقول ومشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة.

مشاريع استراتيجية في الطيران والاتصالات والمياه

وخلال عام 2026، اتسعت مجالات التعاون لتشمل مشاريع استراتيجية في قطاعات الاتصالات والطيران، والبنية التحتية، والتطوير العقاري، والمياه.

ومن أبرز هذه المشاريع مشروع “سيلك لينك” باستثمارات تقارب مليار دولار، لإنشاء شبكة ألياف ضوئية بطول نحو 4500 كيلومتر، وخمسة مراكز بيانات ومحطات إنزال بحرية، إلى جانب مشاريع لتطوير مطار حلب الدولي وتحسين المطار الحالي، وتأسيس شركة للطيران التجاري والشحن الجوي في سوريا.

وفي قطاع المياه، شملت الاتفاقيات إعداد دراسات لإنشاء منظومة متكاملة لتحلية المياه ونقلها، بطاقة تحلية تصل إلى 1.2 مليون متر مكعب يومياً، وشبكة نقل تمتد لنحو 400 كيلومتر، بهدف تعزيز البنية التحتية المائية وتحسين إدارة الموارد.

شراكة تتجاوز الدعم إلى التعافي وإعادة الإعمار

وتشير الاتفاقيات والمشاريع المعلنة إلى توجه سوري سعودي نحو بناء شراكة تنموية واستثمارية طويلة الأمد، تجمع بين تمويل المشاريع الخدمية المباشرة والاستثمارات الاستراتيجية وتبادل الخبرات في القطاعات الإنتاجية.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في ظل احتياجات سوريا الواسعة لإعادة تأهيل بنيتها التحتية واستعادة الخدمات الأساسية وتنشيط اقتصادها، إذ توفر المشاريع الجديدة فرصاً لدعم قطاعات حيوية وتحسين الظروف المعيشية، بالتوازي مع فتح المجال أمام الاستثمارات والشركات السعودية للمشاركة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وبذلك، تتجه العلاقات بين دمشق والرياض إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالمشاريع الميدانية والمصالح الاقتصادية المشتركة، بعد أن شكل الدعم السياسي والدبلوماسي أساساً للتقارب خلال المرحلة الماضية، في مسار يضع التنمية والاستثمار وإعادة بناء المؤسسات والخدمات في صدارة أولويات التعاون بين البلدين.

عن محمد عبد الواحد

شاهد أيضاً

إدانات عربية وإقليمية واسعة لاعتراف كولومبيا بـ«سيادة إسرائيل» على الجولان السوري المحتل

وكالة الفرات للأنباء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *